مجمع البحوث الاسلامية

245

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

تُوَلُّوا و ( ليس البرّ ان تولّوا ) ، فمن نصب جعل ( ان ) مع صلتها الاسم ، فيكون المعنى ليس توليتكم وجوهكم البرّ كلّه ، ومن رفع ( البرّ ) فالمعنى ليس البرّ كلّه توليتكم ، فيكون ( البرّ ) اسم ( ليس ) وتكون ( ان تولّوا ) الخبر . وقوله عزّ وجلّ : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إذا شدّدت ( لكنّ ) نصبت ( البرّ ) وإذا خفّفت رفعت ( البرّ ) فقلت : ولكن البرّ من آمن باللّه ، وكسرت النّون من التّخفيف لالتقاء السّاكنين ، والمعنى ولكن ذا البرّ من آمن باللّه ، ويجوز أن تكون ولكنّ البرّ برّ من آمن باللّه . [ ثمّ استشهد بشعر ] ( 1 : 246 ) الشّريف المرتضى : إن سأل سائل عن قوله تعالى : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . . . البقرة : 177 . فقال : كيف ينفي كون تولية الوجوه إلى الجهات من البرّ ، وإنّما يفعل ذلك في الصّلاة وهي برّ لا محالة ؟ وكيف خبّر عن ( البرّ ) ب ( من ) والبرّ كالمصدر ، و ( من ) اسم محض . [ إلى أن قال : ] يقال له : فيما ذكرته أوّلا جوابان : أحدهما : أنّه أراد تعالى : ليس الصّلاة هي البرّ كلّه ، لكنّه ما عدّد في الآية من ضروب الطّاعات وصنوف الواجبات ، فلا تظنّوا أنّكم إذا توجّهتم إلى الجهات بصلاتكم ، فقد أحرزتم البرّ بأسره ، وحزتموه بكماله ، بل يبقى عليكم بعد ذلك معظمه وأكثره . والجواب الثّاني : أنّ النّصارى لمّا توجّهوا إلى المشرق ؛ واليهود إلى بيت المقدس ، واتّخذوا هاتين الجهتين قبلتين ، واعتقدوا في الصّلاة إليهما أنّهما برّ وطاعة خلافا على الرّسول صلّى اللّه عليه وآله أكذبهم اللّه تعالى في ذلك ، وبيّن أنّ ذلك ليس من البرّ ، إذ كان منسوخا بشريعة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، الّتي تلزم الأسود والأبيض ، والعربيّ والعجميّ ، وأنّ البرّ هو ما تضمّنته الآية . فأمّا إخباره ب ( من ) ففيه وجوه ثلاثة : أوّلها : أن يكون معنى ( البرّ ) هاهنا البارّ وذا البرّ ، وجعل أحدهما في مكان الآخر ، والتّقدير : ولكنّ البارّ من آمن باللّه . ويجري ذلك مجرى قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً الملك : 30 ، يريد غائرا . [ ثمّ استشهد بشعر ] والوجه الثّاني : أنّ العرب قد تخبر عن الاسم بالمصدر والفعل ، وعن المصدر بالاسم ، فأمّا إخبارهم عن المصدر بالاسم فقوله تعالى : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ، وقول العرب : إنّما البرّ الّذي يصل الرّحم ويفعل كذا وكذا ، وأمّا إخبارهم عن الاسم بالمصدر والفعل فمثل قول الشّاعر : لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى * ولكنّما الفتيان كلّ فتى ند فجعل « أن تنبت » وهو مصدر خبرا عن الفتيان . والوجه الثّالث : أن يكون المعنى ولكن البرّ برّ من آمن ؛ فحذف البرّ الثّاني ، وأقام ( من ) مقامه ؛ كقوله : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ البقرة : 93 ، أراد : حبّ العجل . [ ثمّ استشهد بشعر ] وتقول العرب : بنو فلان يطؤهم الطّريق ، أي أهل